أثبتت تجارب دولية عديدة أن حماية حقوق المؤلف في قطاع التعليم لا تقتصر على منع النسخ غير المشروع، بل يمكن أن تتحول إلى منظومة اقتصادية مستدامة تتيح للمدارس والجامعات استخدام الكتب والمقالات والمحتوى الرقمي بصورة قانونية، وفي الوقت نفسه تضمن وصول عائد مالي إلى المؤلفين والناشرين وأصحاب الحقوق.
وتبرز تجارب النرويج وأستراليا والمملكة المتحدة بوصفها نماذج متقدمة في تطبيق أنظمة الترخيص الجماعي، حيث تقوم منظمات حقوق النسخ بمنح المؤسسات التعليمية تراخيص تسمح باستخدام المصنفات وفق ضوابط محددة، ثم تحصيل الرسوم وتوزيعها على أصحاب الحقوق.
النرويج.. تغطية شاملة لقطاع التعليم
تقدم النرويج نموذجًا متقدمًا من خلال منظمة Kopinor، حيث يشمل نظام الترخيص الجماعي مختلف مستويات التعليم، من المدارس الابتدائية والثانوية إلى الجامعات والكليات ومؤسسات تعليم الكبار.
وتتيح التراخيص للمعلمين والطلاب نسخ أجزاء من الكتب والمجلات، ومسح المواد المطبوعة ضوئيًا، واستخدام المحتوى الرقمي ومشاركته عبر أنظمة إدارة التعلم ضمن الحدود المسموح بها.
وفي التعليم العالي، بلغت القيمة السنوية لاتفاقية الترخيص المبرمة للفترة 2025–2029 نحو 136.15 مليون كرونة نرويجية للمؤسسات المشمولة بالاتفاق وفق أسعار 2024.
وتظهر القيمة الاقتصادية للنظام بصورة أوضح في توزيعات أصحاب الحقوق؛ إذ أعلنت Kopinor أنها وزعت خلال عام 2024 نحو 297.6 مليون كرونة نرويجية على أصحاب الحقوق النرويجيين عبر المنظمات الأعضاء، من عائدات اتفاقيات تشمل التعليم وقطاعات أخرى.
أستراليا.. 91 مليون دولار من قطاع التعليم
كما تقدم أستراليا أحد أبرز الأمثلة على الأثر الاقتصادي المباشر للتراخيص التعليمية. وتدير Copyright Agency نظامًا يسمح للمؤسسات التعليمية باستخدام النصوص والصور المحمية مقابل تعويض أصحاب الحقوق.
وخلال السنة المالية 2024–2025، غطت تراخيص المنظمة أكثر من 9,600 مدرسة تضم أكثر من 4 ملايين طالب، إلى جانب الجامعات التي تخدم نحو 1.4 مليون طالب.
وبلغت الإيرادات المعترف بها من قطاع التعليم نحو 91 مليون دولار أسترالي؛ منها 53.1 مليون دولار من المدارس و28 مليونًا من الجامعات، إضافة إلى إيرادات مؤسسات التعليم التقني وغيرها.
وخلال الفترة نفسها، خصصت Copyright Agency أكثر من 113 مليون دولار أسترالي لأكثر من 27 ألف مستفيد من مختلف التراخيص التي تديرها، فيما بلغت التخصيصات المرتبطة بالمدارس أكثر من 43.6 مليون دولار، وبالجامعات نحو 24.79 مليون دولار.
المملكة المتحدة.. نموذج الترخيص المركزي
وفي المملكة المتحدة، توفر Copyright Licensing Agency (CLA) تراخيص للمدارس والجامعات وكليات التعليم الإضافي، بما يسمح باستخدام وإعادة استخدام المحتوى المنشور بصورة قانونية.
ويتميز النموذج البريطاني بالترخيص المركزي لقطاعات واسعة من المدارس، ما يقلل الأعباء الإدارية على المؤسسات التعليمية ويوفر إطارًا موحدًا لاستخدام المحتوى.
وخلال السنة المالية 2024–2025، وزعت CLA من إجمالي تراخيصها نحو 30.89 مليون جنيه إسترليني إلى المنظمة الممثلة للمؤلفين ALCS، و47.77 مليون جنيه إلى PLS الممثلة للناشرين، إلى جانب ملايين الجنيهات لمنظمات أخرى وأصحاب حقوق دوليين. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تشمل مختلف قطاعات الترخيص وليست التعليم وحده.
من حماية الحقوق إلى تمويل الإبداع
تكشف هذه التجارب أن نجاح الترخيص التعليمي يعتمد على اتساع قاعدة المؤسسات المرخصة، ووضوح آليات الاستخدام، وكفاءة تحصيل العائدات وتوزيعها.
وبدلًا من أن يحصل المعلم أو الجامعة على إذن منفصل من كل مؤلف أو ناشر، توفر الرخصة الجماعية إطارًا قانونيًا موحدًا يتيح استخدام آلاف المصنفات، بينما تتولى منظمة حقوق النسخ إدارة الرسوم وإيصال العائدات إلى أصحاب الحقوق.
وتوضح الأرقام حجم الأثر الاقتصادي الممكن تحقيقه: 297.6 مليون كرونة نرويجية وزعتها Kopinor على أصحاب الحقوق النرويجيين في عام واحد، و91 مليون دولار أسترالي من إيرادات قطاع التعليم لدى Copyright Agency، فضلًا عن عشرات الملايين من الجنيهات التي تديرها CLA وتعيد توزيعها على منظومة الإبداع والنشر.
وهكذا تصبح الإدارة الجماعية جسرًا بين إتاحة المعرفة وحماية من يصنعها، فكلما اتسعت منظومة الترخيص، أصبح استخدام المحتوى داخل المدارس والجامعات مصدرًا مشروعًا للعائد، يسهم في دعم المؤلفين والناشرين وتحفيز إنتاج المزيد من المعرفة.
إن حماية حقوق النسخ ليست مجرد التزام قانوني؛ بل دورة اقتصادية تبدأ من استخدام المصنف في قاعة الدراسة، وتمر عبر ترخيص عادل وفعال، وتنتهي بعائد يصل إلى المبدع ليستمر في الكتابة والنشر والإبداع.



